محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

30

أخبار القضاة

أخبرنا سهل بن أحمد التّمار ؛ قال : سمعت عمرو بن عليّ يحدّث عن أبي « 1 » عاصم ؛ قال : جيء بخالد بن أبي عمران إلى أبي جعفر ليولّيه القضاء ؛ فامتنع عليه ؛ فتهدّده وأسمعه ؛ وقال : أنت عاص ؛ فقال له خالد : إنّ اللّه يقول : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها فلم يسمّهنّ عصاة حيث أبين حمل الأمانة ، وقال : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ؛ فقال : اخرج فلا ترى مني خيرا ؛ فلما أصحر « 2 » إذا هو برجل حسن الوجه والثّوب ، طيّب الرّيح ؛ فقال له خالد : ساءك ما خاطبك به هذا ؟ قال : نعم ؛ قال : أما علمت أنّ العبد إذا لم يكن للّه فيه حاجة نبذه إليهم . سمعت حميد بن الرّبيع يقول لنا : جيء بعبد اللّه بن إدريس ، وحفص بن غياث ، ووكيع بن الجرّاح إلى هارون الرّشيد ؛ دخلوا ليولّيهم القضاء ؛ فأما ابن إدريس فقال : السّلام عليكم وطرح نفسه كأنه مفلوج ؛ فقال هارون : خذوا بيد الشّيخ ؛ لا فضل في هذا ، وأمّا وكيع فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما أبصرت بها منذ سنة ، ووضع إصبعه على عينه وعنى إصبعه : فأعفاه هارون ؛ وأمّا حفص فقال : لولا غلبة الدّين والعيال ما وليت « 3 » . وزعم عمر بن محمّد بن عبد الملك ، عن أبي السّكين ؛ قال : حدّثني موسى بن سعيد بن سالم ؛ قال : لقد رأيت في سجننا هذا يعني « سجن البصرة » رجلا محبوسا في أمرين متفاوتين ؛ رأيته محبوسا في الشّطارة « 4 » ، ثم رأيته محبوسا في أن أبى أن يلي القضاء . أخبرني عبد اللّه بن جعفر بن مصعب الزّبيري عن جدّه ؛ قال : جلد إسحاق بن سليمان ( وهو والي المدينة ) ابن الدّراوردي « 5 » خمسة وثمانين سوطا ، وذلك أنّه دعاه أن يلي له فأبى .

--> - ليوليه قضاء بغداد . وفي سنن البيهقي قال محمد بن زاهر : بلغني عن أبي يوسف قال : لما مات سوار قاضي البصرة دعا أبو جعفر يعني المنصور أبا حنيفة فقال له : إن سوار قد مات وإنه لا بد لهذا المصر ( يعني من قاض ) فاقبل القضاء فقد وليتك قضاء البصرة ، فقال أبو حنيفة : واللّه الذي لا إله إلا هو إني لا أصلح للقضاء ، وو الله يا أمير المؤمنين لئن كنت صادقا فما يسعك أن تستقضي رجلا لا يصلح للقضاء ، وإن كنت كاذبا فما يسعك أن تستقضي رجلا كاذبا ، وإنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل من العرب ، وقد أصبحت مخالفا لك ، فقال له أبو جعفر : صدقت أنك قلت : لا يصلح لهذا الأمر إلا مثل أبي بكر وعمر ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت . وأما قولك : بأنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل من العرب ، فإنا نأخذ بما في كتاب اللّه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ، وليس علينا إلا الجهد في أهل زماننا ، وأما قولك : إني قد أصبحت مخالفا لك في الرأي ، فإن الرأي يخالف الرأي ، فاقبل هذا الأمر . فقال أبو حنيفة : لئن خليت عني وإلا لبيت مكاني الساعة ، فما يسعك أن تحبس ملبيا ، قال : فخلى عنه بعد ذلك ا ه والصحيح كما في الخطيب أنه توفي في السجن . ( 1 ) ابن عاصم النبيل ، واسمه نبيل ، كما في كتاب المشتبه في أسماء الرجال . ( 2 ) أصحر : دخل في الصحراء . ( 3 ) وروى الخطيب في تاريخه بعد سرد القصة المذكورة عن حميد - أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة قال سمعت حفص بن غياث يقول ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة . ( 4 ) الشطارة : الشاطر من أعيا أهله خبثا ، والشطارة الميل إلى الشر . ( 5 ) أي عبد العزيز بن محمد .